كارل ريتر.. شخصية مجهولة غيرت مجرى التاريخ

كارل ريتر.. شخصية مجهولة غيرت مجرى التاريخ

كارل ريتر

شخصية مجهولة غيرت مجرى التاريخ

*************************

التاريخ حلقات متصلة تسلم بعضها بعضا ؛ والجغرافيا توجهه، وما نراه من أحداث فى عالمنا المعاصر، نجد له شبيها فى عصور سابقة، ليس بالضرورة متطابقة، ولكنها متشابهة، فأحلام السيطرة والغزو الاستعمارى لنهب ثروات الأمم فى السابق فى زمن الامبراطوريات المندرسة، يتكرر بأشكال أخرى الآن من خلال الغزو الفكرى والثقافى للترويج للأفكار والبيع بمحض الإرادة وقمة الاقتناع، اختلفت الوسيلة والهدف واحد.

القليلون فقط هم من يعرفوا هذه الشخصية التي غيرت مجرى الأحداث في العالم، بل ومجرى التاريخ، وكان لفكره دور كبير فيما جرى في منتصف القرن الماضي من حروب عالمية، أدت إلى فناء ما يزيد عن ستين مليونا من سكان أوربا وآسيا، وخلفت مدنا مهدمة وغيرت خريطة أوربا والعالم، والفكر الجغرافى الحديث بل والفكر العالمى بعد أن فرضت الحرب واقعا جديدا، فظهرت دول جديدة لم تكن موجودة، واتحدت أخرى، وانقسمت ثالثة، وتكونت تحالفات ومنظمات، وماج العالم في فوضى وتمزق.

فمن هو كارل ريتر، وما هي قصته، وما هو دوره هذا الذى لعبه ؟، وكيف كان له هذا الأثر الكبير في الفكر النازي وكيف تأثر به هتلر وتورط في حرب هوجاء، ولماذا لم يترسم خطاه كما خطط له ؟ فكان ما كان.

الكثير منا يقرأ عن الأسباب والدوافع التي حدت وتحدو ببعض القوى الاستعمارية على القيام بما قامت به من احتلال أو غزو أو سيطرة، ولكن كثيرا ما تكون هذه الأسباب والدوافع المعلنة مختلفة تمام الاختلاف عن الدوافع الحقيقية الخفية، ويصبح كشفها مسؤولية في عنق التاريخ ينبغي أن يبوح بها في مرحلة من المراحل ليكون شاهدا على حلقة من حلقاته، وقراءة هذه الأحداث من وجهة النظر الحقيقية والدوافع الواقعية مهمة للأجيال الحديثة كي تعرف حركة التاريخ، وكيف تحاك المؤامرات بعدد من الدعاوى، ولتعرف تلك الأجيال أن التاريخ يعيد نفسه، في مرحلة من المراحل، وما كان يخطط له من قبل، يمكن أن يعود التخطيط له من آخرين جدد في زمن آخر، صحيح قد تختلف الأساليب والمنهج والرؤية تبعا لما تفرزه الأحداث والظروف الدولية، ولكن في الغالب فالأهداف في النهاية واحد.

إن هذه الشخصية لا يعرفها إلا القليلين،ومعظمهم من أساتذة الجغرافيا ومعلميها الذين عرفوا عنه أنه صاحب منهج وفكر ونظرية في الجغرافية البشرية درسوها في مرحلة الجامعة فقط، ولم تتعد معرفتهم بهذه الشخصية حدود هذا الدور الذي لعبه كأستاذ جغرافيا، وقد اقتضت الظروف بصفتي جغرافي، أن أفرد وقتا للتعرف على شخصيات بعض الجغرافيين الذين كان لهم بالغ الأثر في مجريات الأحداث العالمية ومنهم هذه الشخصية بحكم دراسته الجغرافية والتاريخية واهتماماته الفلسفية التي مهدت له الطريق وهيأت له السبيل للتعرف على موارد العالم وسبل استغلالها والسيطرة على مساحات من الأرض واستعمارها فكان لفكره الجغرافي الجيوبولوتيكي دوره في التوجه الاستعماري لرجال السياسة الذين جاءوا من بعده واعتمد البعض منهم على أفكاره، ودعنا في هذا المقال نلقي الضوء على هذه الشخصية وهذا الفكر بإيجاز شديد.

كارل ريتر Carl Ritter ألماني عاش في الفترة من 1779 الى 1859 وكان في البدء أستاذا للتاريخ والعلوم الجيوسياسية بجامعة فرانكفورت بألمانيا، ثم أصبح فيما بعد أستاذا للجغرافيا في جامعة برلين، وقد جاء بنظرية ووضع مخططا أعلن فيه أن الجنس الآري يستطيع أن يسيطر على أوربا ثم على العالم كله بعد ذلك، وجاء بعده عدد من الزعماء الآريين ممن تبنوا مخططاته فأسسوا النازية بهدف السيطرة على العالم، وتحويله إلى دولة إلحادية تخضع لدكتاتوريتهم، إلا أن العلاقة بين كارل ريتر وزعماء النازية ظلت في طي الكتمان لا يعرفها إلا القليلين لأن أهداف وأغراض زعماء النازية تم الحفاظ عليها بسرية تامة، فلم يكن من حق أحد التعرف عليها أو الوصول إليها، إلى أن تمكن أحد ضباط المخابرات البريطانية من الكشف عن هذه العلاقة بين كارل ريتر وسادة الحرب الآريين، عندما عهد إليه دراسة الاقتصاد السياسي والعلوم الجيوسياسية والأديان المقارنة في الجامعات الألماني.

كان مخطط كارل ريتر الذي صاغه من أجل تأسيس النازية يعتمد على تخريب مخططات بارونات المال العالميين من اليهود الذين يدعون انفرادهم بالسامية دون غيرهم من الشعوب التي تحمل نفس الأصول كالعرب والآراميين والفينيقيين والعبرانيين، والتخطيط لاستبدال السامية باللاسامية لتمضي قدما بقضية الآريين، فقد اكتملت قناعته من خلال دراساته التاريخية بضرورة القضاء على هؤلاء اليهود الذين يشكلون خطرا ويخططون للسيطرة على العالم بعد أن تبين له وتحقق من أن عددا من كبار رجال المال اليهود أو ذوي الأصول اليهودية – سواء كانوا يمارسون طقوس الدين اليهودي أو لا يمارسونه ولا يدينون بالولاء لأي بلد كان – قد قاموا بتأسيس ماسونية الشرق الأكبر الحرة عام 1773م تهدف إلى تحقيق مطامحهم السرية بحركة ثورة عالمية ضمن مخطط بعيد المدى يهدف إلى السيطرة على الثروات والموارد الطبيعية في العالم، وهذا ما كان وأصبح وأمسى وصار وبات، ويهدفون منه في النهاية إلى تكوين حكومة دكتاتورية عالمية شاملة مبنية على نظرياتهم المادية الإلحادية. ومن هنا تضمن المخطط بعيد المدى لكارل ريتر للسيطرة المطلقة على العالم بعد هذه القراءات التاريخية في هذه المخططات عددا من المقترحات والمبادئ هي: –

أولا: أن تسيطر ألمانيا على جميع الأقطار الأوربية وتخضع لها بادئة بشن حرب اقتصادية على هذه الدول تضعف فيها قدراتها البشرية والاقتصادية تماما، وليس من الضروري تحقيق النصر المطلق عليها بل يكفي إضعافها ووهنها بالشكل الذي يتطلب معه وقتا طويلا لإصلاح آثار هذا الضعف، ثم يعقب هذا شن عدد من المغامرات العسكرية التي تخضع فيها تماما للآلة العسكرية الألمانية وتستولي الطبقة العسكرية على السلطة، وكانت هذه الفكرة هي النواة التي بنى حولها رجال الإعلام الآري النظرية المعروفة بـ ” العرق الألماني السيد ” والذي يشير إلى تميز هذا العرق جنسا وعلما وثقافة وحضارة على بقية أجناس وشعوب الأرض.

ثانيا: إنشاء طابور خامس نازي لمجابهة التنظيمات الشيوعية السرية ويكون هدفه إقناع الطبقات العليا والوسطى في البلدان التي تنوي ألمانيا إخضاعها بأن الاشتراكية الوطنية هي الوسيلة الوحيدة لمجابهة الشيوعية التي تمثل خطرا على العالم، وكانت المهمة الرئيسة لهذا الطابور هي تهيئة الرأي العام في الأقطار الأوروبية الأخرى لاستقبال الجيوش الألمانية استقبال الفاتحين وتنمية الشعور لديهم بأن هؤلاء الألمان هم مبعوثو العناية الإلهية الذين سيخلصونهم من الشرور والآثام واستئصال شأفة الشيوعية والمد الشيوعي في هذه الأقطار، وحذر كارل ريتر الزعماء الآريين من القيام بأي غزو عسكري متسرع مالم تكن الأرض ممهدة والأمور مهيأة والطرق معبدة من آلة إعلامية تقنع الأغلبية من جماهير شعوب أوربا بتقبل هذا التدخل العسكري كحملة إنقاذ لا اعتداء أو غزو من خلال هذا الطابور الخامس، ولهذا السبب عندما دار الزمن دورته وبدأ هتلر في تنفيذ هذا المخطط الذي وضعه كارل ريتر محاولا أن يتصرف بما يعاكس المبادئ الأساسية التي وضعها كارل ريتر، حاول الألمان من الجنرالات المنتمين إلى الحركة النازية اغتياله بغض النظر عن كونهم هم الذين اختاروه ونصبوه بأيديهم حاكما عليهم. لأن القضية كانت بالنسبة لهم قضية وجود عالمي يستمد بقاؤه من الالتزام بالنظام والتعليمات والدستور والمنهج الذي وضعه كارل ريتر والذي كان من وجهة نظرهم وُضِع ليبقى وضع ليبقى…….. وضع ليبقى.

ثالثا: اتباع سياسة مالية معينة يكون من شأنها منع أصحاب المصارف العالمية ومعظمهم من اليهود من السيطرة على اقتصاديات ألمانيا والدول التي تدور في فلكها، وذلك عن طريق إغلاق السبل أمام التوسع اليهودي من بيع وشراء ومضاربات، وحل عناصر منهم محلهم، وقد نجحوا إلى حد كبير في هذه الآونة من تحقيق هذه الخطة.

رابعا: أما المبدأ الرابع فكان يقترح تدمير الشيوعية تدميرا كاملا من ناحية، إذ كان كارل ريتر يعتقد أن هذا الخطر الشيوعي القادم من الشرق لو لم يتم تحجيمه والقضاء عليه في مراحله الأولى فسوف يقود العالم بفكره المعوج، ومن ناحية أخرى استئصال شأفة العرق اليهودي عن بكرة أبيه وهو يمثل الخطر الأعظم الذي لا وطن له، وكانت هاتين الخطوتين من وجهة نظر ريتر هما الأساس لكي يتمكن الزعماء الآريون من التوصل للسيطرة الكاملة على العالم.

هكذا رسم كارل ريتر وصاغ تصوره وخلاصة فكره الجغرافي والتاريخي في عدد من المبادئ كانت هذه المبادئ الأربعة أهمها من أجل السيطرة على العالم، وجاءت وفاته في عام 1859م وهو نفس العام الذي توفي فيه الجغرافي الألماني الشهير وصديقه على درب الجغرافيا الطبيعية ألكسندر فون همبولت، الذى سوف أتحدث عنه لاحقا، حيث كانا يمثلان قطبان من أقطاب الجغرافيا الألمانية الذين كان لهما أثر بالغ في الفكر الجغرافي الحديث، وجاء من بعده أتباع وأنصار لهذا الفكر التوسعي المبني على السيطرة والتحكم في الأرض من المفكرين الجغرافيين من أمثال ماكيندر الانجليزي وفردريك راتزل، وكارل هاوسهوفر وغيرهم من الجغرافيين الألمان الذين كانت لهم نظريات جيوبوليتيكية ما زالت تدرس في الأكاديميات العسكرية حتى الآن كنظرية قلب الأرض والهنترلاند والجزيرة العالمية، وغيرها ما كان لها من أثر بالغ في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما نستطيع أن نستشف منه الكثير في هذه الآونة بالذات والعالم يمر بمرحلة مشابهة، وهو ما سوف نعرض له في موضوع قادم.

ألستم معى أعزائي بأن ما يحدث اليوم من فكر أحادى كوكبي شبيه بما حدث من فكر نازى سابق فى السيطرة، ألا ترون أن الوسائل اختلفت من جيوبوليتكية وعسكرية فى السابق الى اقتصادية وفكرية واستهلاكية فى الحاضر، وان كانت العسكرية أيضا يتم تطويرها…. ألم تلاحظوا حقارة الوسائل التى يتخذونها فى ضرب اقتصاد الدول التى بدأت تغزو أسواق العالم بتصدير أوبئة صنعت خصيصا فى معامل محصنة مخيفة ومرعبة للتلويح بها وقت اللزوم، بدون أخلاقيات ولا فضائل.

هكذا، دائما، وكثيرا ما يتشكل الفكر الإنساني من ممارسات وتجارب وخبرات الماضي، ويصبح من الضروري ان يعترف المخطئ بخطئه والمسيئ بإساءته، حتى ولو بعد حين كي لا يضيع الحق بين الناس بين الغرور والحماقة، وهذا ما لا يفعله الدكتاتوريون، ولذا لا يتذكرهم التاريخ إلا في أسوأ صفحاته،

نقولها للأجيال من هؤلاء البراعم والفسائل النابتة كي تنهل من معين الثقافة، وتقرأ دروس الماضى والتاريخ بعقل راجح وتدبر وروية فربما يكون منهم من يقود الأمم في المستقبل،ومنهم من يمثل فكرا مستنيرا تستضيئ بضوئه الأجيال وتستفيد منه الشعوب وتنهض بفضله الحضارة.

اكتب تعليقًا