ترامب، دنقل، و زرقاء اليمامة!

نشر بتاريخ 24/8/2018

ترامب، دنقل، و زرقاء اليمامة!

الأخبار الأخيرة من الولايات المتحدة تصب في صالح تدخل روسيا في التأثير إليكترونيا على فوز ترامب رئيسا. عقيدة ترامب القائمة على قاعدة “أمريكا أولا” أعطت لروسيا أملا في فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها بسبب ضم شبه جزيرة القرم وتخفيف التوتر العسكري مع الناتو. وفقا لهذه الرواية فإن نجاح ترامب هو في الحقيقة نجاح لبوتين مقارنة بنجاح هيلاري كلينتون. (لقاء ترامب مع بوتين مؤخرا بعد انتهاء كأس العالم في حالة من الصداقة والود وتبادل التهاني حظي بنقد لاذع من هيلاري كلينتون واعتبرته دليلا على ما تم ترتيبه من قبل).

يعيدنا اتهام الاختراق الإليكتروني لحملات الرئاسة من داخل الأراضي الروسية وعلى بعد آلاف الأميال إلى سبعينيات القرن العشرين حين كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على أشدها. في تلك الفترة كان العالم مهووسا بسلاح جديد غامض بالغ السرية هو الاعتماد على أفراد ذوي قدرات أسطورية خارقة من السمع والبصر يستطيعون جمع معلومات عن الخصم دون أن يغادروا عقر دارهم.
كنا في المدارس الإعدادية وبداية المدارس الثانوية نتناقل أخبار هؤلاء البشر ذوي القدرات الأسطورية بشكل غرائبي خارق حتى استولت على نفر منا فتقمص الدور ومارس العرافة وتقديم النبوءات.
صدر عديد من الكتب وسيل عارم من المقالات الصحفية حول العالم (وترجمت شذرات منه في الصحافة المصرية في تلك الفترة) عن طبيعة هؤلاء الأفراد، قبل ان يتطور الأمر من فكرة مخابراتية وحرب نفسية أسطورية غامضة إلى علم راسخ للمرئيات الفضائية بالغة الدقة تحملها الأقمار الصناعية تجمع معلومات وتتجس سمعا وبصرا ، حتى وصلنا مؤخرا إلى الاختراق الإليكتروني كما حدث في حالة الانتخابات الأمريكية التي جاءت بترامب.

كتبت هذه السطور متذكرا قصة زرقاء اليمامة، تلك المرأة العربية التي عاشت في العصر الجاهلي (زرقاء لزرقة عينيها واليمامة اسم لموطنها في نجد بوسط الجزيرة العربية) وكانت لها وفقا للأسطورة قدرات خارقة من السمع والبصر والاستبصار، وقد قيل إنها عرافة أو ساحرة أو حكيمة، ورُويت عنها حكايات عدة منها أنها كانت تحذر قومها من قرب قدوم جيش الأعداء وهو بعد على مسيرة ثلاثة أيام، ومن ثم كان الاستعداد والتحصين والنصر دوما لقومها.

كما ذُكر ذات مرة قدرتها على الرؤية عن بُعد مئات الأميال لأشجار متحركة تجاه قومها (يحملها المغيرون أمامهم للتمويه قبل الهجوم) والتي تشبه نفس القصة التي سيرويها شكسبير في مسرحية “ماكبث” بعد أكثر من ألف سنة من الأصل العربي، على نحو ما يذهب بعض النقاد في دلالة لديهم من أن شكيبير استعان بمصادر عربية في أعماله، سيما أن قضية التواصل الحضاري وانتقال الأساطير من العالم العربي إلى أوروبا والعكس ليس مستبعدا منذ العصر الروماني في القرن الأول الميلادي وحتى زمن كتابة شكسبير لأعماله في القرن 16.

السبب الثاني الذي دعاني لتذكر زرقاء اليمامة والاستبصار بالغد ( في خضم واقع عالمنا العربي) هو أن أمل دنقل كان قد لجأ في واحدة من قصائده إلى تلك العرَّافة (التي أسماها النبية المقدسة) كي تفسر له ما يحدث في الوطن المصري والعربي بعدما عجز المنطق لديه عن فهم ما يجري.