الفرافير !

نشر بتاريخ 25/8/2018

الفرافير !
كان منعم القهوجي يرص قطع الفحم المشتعلة على شيشة الرجل الخمسيني الجالس بجواري في هذا المقهى المزدحم في رابع أيام عيد الأضحى حتى إذا شاهد غلاف الكتاب الذي أطالعه ضحك ساخرا وقال: “كمان عملتم عن العيال دي كتاب ؟!”. وقد سألته بدوري: “ومن هو الفرفور في رأيك؟!”. لم يطل “منعم” في شرح أوصاف أولئك الشباب الذين يجلسون في القهوة بعض أوقات النهار والليل فقد كان منشغلا بعمله، وقال وهو يهم بالانصراف ” يعني عيال طرية.”

العيل الطري” هو الوصف الذي يعرفه الشارع المصري لمعنى الفرفور خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، لكن قبل 50 سنة أعطى يوسف إدريس لمسرحيته هذا الاسم ليحدثنا عن شخصية تعكس هموم المجتمع المصري، ألبس يوسف إدريس الفرفور أفكاره، وأنطقه تساؤلات تلك المرحلة من ستينيات القرن العشرين.
يقول إدريس في صفحة 31 من المقدمة الطويلة التي كتبها للمسرحية:

” فرفور أو زرزور مثال صادق للبطل الروائي المصري، الحدق، الذكي، الساخر، الحاوي داخل نفسه كل قدرة “علي الزيبق” وكل مواهب “حمزة البهلوان”. فرفور هو ذلك الإنسان الساخر بسليقته وبطبعه، ذلك الذي لا يتصيد الانفعال ولا يدعي ما ليس فيه. إنه مضحك ومهرج وحكيم وفيلسوف في نفس الوقت. وعلى أمثال هذا النوع من الناس كان يعتمد التمثيل، زمان، قبل أن يعي الناس بحقيقة التمثيل وأن اسمه مسرح، وحقيقة الممثلين.. زمان حين كان الجمهور يدفع بفرافيره إلى الحلبة ويلتهب سعادة وحماسا وضحكا لكل ما يقولون، فالفرافير دائما لهم وجهة نظر جديدة وأًصيلة وغريبة”
في هذه المسرحية نجح يوسف إدريس في أن يسخر من المجتمع ليس بلسان ناقد مفكر وأديب يسهل على الناس الهجوم عليه سياسيا واجتماعيا وفنيا، بل تحمل فرفور كل مسؤولية الأفكار نيابة عن إدريس.
ولأن أحد طلابي الأعزاء اشترى لي نسخة هذا الكتاب من سور الأزبكية فقد وجدت في طبعتها ذات الورق الأًصفر الواهن القديم صورتين نادرتين تجدونهما مع هذا المنشور ، الأولى يقف فيها الفنان المبدع كرم مطاوع (وهو مخرج تلك المسرحية) يؤدي دور مؤلف روايات ومخترع لشخصية فرفور يرتدي شورتا قصيرا صادما المتفرجين الذين ينتظرون ان يروا المؤلف في زي رسمي، أما الصورة الثانية فهي لفرفور (الذي يجسده هنا الفنان القدير عبد السلام محمد وهو بعد في شرخ الشباب) يؤدي جزءا من العرض المسرحي متحركا بين الجمهور في تقنية جديدة على المسرح المصري آنذاك استجلبها إدريس من أوروبا حين كان الممثلون والمتفرجون يشاركون في العرض.

يقول فرفور في هذه الصورة للمتفرجين:

” روبابيكيا…روبابيكيا…كل حاجة قديمة للبيع، مجد قديم للبيع، عظمة قديمة للبيع، أسياد قديمة للبيع، مدافع قديمة للبيع”