هل أنت ممن يقرأون الجواب من عنوانه ؟!

نشر بتاريخ 25/8/2018

هل أنت ممن يقرأون الجواب من عنوانه ؟!

تربينا على إصدار الأحكام بأسرع ما يكون، وأنسنا إلى التعجل في تصنيف الناس والأفكار، واخترعنا أمثلة شعبية عديدة تعبيرا عن ذلك ومن بينها “على وشك يبان يا نداغ اللبان” و”الجواب بيتعرف من عنوانه” وغير ذلك كثير. وأجد العذر في ذلك لعوام الناس، لكني لا أستطيع أن أقبل ذلك عند أولئك الذين يفترض فيهم أن يكونوا مثالا للتروي والحكمة وأهلا للتعليم والثقافة.

وتحضرني هنا ثلاثة أمثلة:

– حين كنت في السنة النهائية من الجامعة وكانت حركة التكفير والهجرة قد نالت من المجتمع المصري ما نالته صدر بعض الكتب والمراجعات لتنتقد أفكارها، وقد اشتريت واحدا من تلك الكتب من أمام رصيف الجامعة وكان عنوانه “ماذا فعل بنا أهل التكفير والهجرة؟”. تصفحت الكتاب على عجل وأعطيت للبائع جنيها واحدا ودخلت الجامعة لبداية اليوم الدراسي. وبعد المحاضرة الأولى تتبعت الأستاذ المحاضر إلى مكتبه لأناقشه في مسألة عرضها بشكل غامض عن طبيعة التنوع الإيكولوجي في الأقاليم الاستوائية، وحتى أبين له سؤالي بشكل سليم وضعت ما معي من كتب على مكتبه وبدأت أرسم له المسألة في دفتر محاضراتي وفي تلك اللحظة اختلس النظر إلى عنوان الكتاب الذي كنت قد اشتريته للتو من خارج أسوار الجامعة ثم تغير وجهه وأنهي النقاش بسرعة. ظل هذا الأستاذ الكريم يتحاشى التعامل معي ويرمقني بعيون متحفزة حتى عينت في الجامعة معيدا في العام التالي وهنا قال لي بنصيحة الأب وهو يكاد يهمس في أذني وواضعا يده على كتفي في ممر الكلية ” سيبك بقى من حكاية التكفير والهجرة دي…انت بقيت معيد ومسؤول دلوقتي ..هه”. حاولت أن أعيد على سيادته أن الكتاب كان مطلعه “ماذا فعل بنا؟” وأنه يفند وينتقد ويطرح البدائل للمجتمع وأنه كتاب عكس ما يفكر فيه تماما……لكن هيهات !
– خلال فترة التحول من حكم حسني مبارك إلى حكم الإخوان ثم السيسي كان الناس يصنفون بعضهم بعضا بشكل بالغ العدمية والاستهزاء بكل قيم المنطق (وقد شاركنا جميعا في ذلك …وكاتب هذه السطور من بينهم). وقد جمعتني الصدف ذات مرة مع عميد إحدى كليات الجامعة وقد جاء ليسلم عليه أحد أعضاء التدريس الجدد، وهو شاب حصل على الدكتوراه للتو وعلى وجهه علامة صلاة ومتأهب للعمل والحياة في الكلية فما كان من السيد العميد (الذي غير ولائه لأكثر من ثلاث مرات تمشيا مع أغنية العندليب “على حسب الريح ما يودي الريح”) إلا أن باغته قائلا “عارف يا سعيد.. قصدي يا دكتور سعيد …وشك بيفكرني بالإخوان ..ربنا يعافيك منهم !” ولأن الإداريين والمساعدين كانوا يقفون حول “سيادته” في تلك اللحظة فقد تم وضع هذا الدكتور الشاب (الذي لا علاقة له بالإخوان من قريب أو من بعيد) في قائمة المغضوب عليهم ….وما يزال.

– حين سافرت لدراسة الدكتوراه في روسيا عام 1997 ورغم أن الشيوعية كانت قد سقطت في تلك البلاد منذ 6 سنوات إلا أن بعضا من ركاب المترو والباصات الذين يقرأون كتبا أثناء رحلة العمل ذهابا وعودة (سيما من كبار السن) كانوا يغلفون الكتب بغلاف جلدي أو ورقي سميك (إما رصاصي اللون أو بني … وأحيانا أزرق اللون) دون أن يكون عليه أي عنوان، حتى أنه لا يمكنك أن تعرف ما هو الموضوع الذي يقرأه ذلك الراكب. واتضح لي بعد ملاحظة وسؤال وتدبر أن هذا من ميراث الحكم الشيوعي الذي كان يمكنه القبض على أي فرد يقرأ أعمالا “إمبريالية” أو “رأسمالية” أو “برجوازية” حتى لو كان الموضوع أدبا أو فنا أو سيرة ذاتية أو حتى قصص أطفال ..ففي لحظة يمكن تصنيف القارئ (وفقا للعنوان) إلى عدو من أعداء الوطن. ورغم أن الشيوعية سقطت في 1991 إلا أن الناس لم يكونوا على مقدرة من أن يثقوا في الأجواء الجديدة وبالكاد اختفت هذه المشاهد حين أنهيت دراستي وعدت للقاهرة عام 2001.