تحويد العروسة!

نشر بتاريخ 27/8/2018

تحويد العروسة!

ما أروع تباين حفلات الزفاف من بلد إلى آخر، بل ومن حي سكني إلى حي مجاور في نفس المدينة. شاهدت عديدا من حفلات الزفاف منذ طفولتي وكانت مسرحا كبيرا في الأحياء الشعبية والقرى وعوالم المهمشين. وحين سافرت قارنت بينها وبين حفلات الزفاف في ريو دي جانيرو، وبودابست، وموسكو وباريس. لكني لم أشاهد طقوس عام 1958 التي أثبتها يوسف إدريس في واحدة من قصصه القصيرة التي تحمل عنوان “تحويد العروسة”. إليك جانبا منها مقتبسا دون تدخل أو تعديل:
“كون الشراقوة ـ بلدياتي – كرماء، مسألة لا نقض فيها ولا إبرام. أما أن يبلغ هذا الكرم حد التهور وحد “تحويد” العروسة فتلك مسألة أخري كما يقولون. بل هي في الواقع عادة غريبة لم يبطل استعمالها في مديرية الشرقية إلا من سنتين تقريبا.

فمن المعروف أن البنت الريفية حين تتزوج في بلد غير بلدها يخرج أهلها في يوم الدخلة عن بكرة أبيهم لإيصالها إلى بلد العريس. ونظرا لأن الأمن – أيام زمان طبعا – لم يكن مستتبا في تلك المناطق الواسعة الشاسعة، فقد جرت العادة أن يخرج مع العروسة عدد كبير من أهل بلدها في أثناء الطريق، مكونين بموكبهم قافلة طويلة جدا على رأسها جمل العروسة الذي يقوده العريس في العادة، أو من ينوب عن العريس.
إلى هنا والأمر عادي يحدث مثله في كل مديريات القطر. أما الذي كان لا يحدث إلا في الشرقية وحدها فهو أن موكب العروسة كان حين يمر ببلد من البلاد أو بعزبة من العزب، يخرج أهل البلدة أو العزبة بأعيانها وشيوخها وشبابها ليعزموا العروسة وبلدياتها. ولكي يثبتوا جدية العزومة كانوا يذبحون الذبيحة فعلا ويعلقون رأسها فوق نبوت أحدهم وينتظرون حتى يقترب الموكب، وحينئذ يتقدمون منه ويضعونه أمام الأمر الواقع قائلين: تفضلوا عشاكم جاهز والذبيحة ذبحت ومبيتكم الليلة عندنا.. وطبعا كان أهل العروسة يرفضون بشدة فالليلة ليلة الدخلة ولا وقت للعزائم أو مزاولة الكرم الشديد، ولكن العازمين لا يرضيهم هذا معتبرين أن الرفض إهانة خطيرة موجهة إلى قدراتهم علي استضافة العروسة وأهلها. ويشدد أهل البلدة في دعوتهم ويشدد أهل العروسة في رفضهم ويزداد كل طرف إصرار. ويصل الأمر في النهاية إلى حد الشتائم والتماسك بالأيدي. ثم لا تلبث النبابيت أن ترتفع وتقوم خناقة كبيرة قد تسفر عن قتلي وجرحي، ولكنها لابد أن تنتهي إلى أحد أمرين: إما انتصار أهل العروسة ومواصلة طريقهم إلى بلد العريس، وإما انتصار أهل البلدة واقتياد الموكب المهزوم واستضافته بالقوة…”