من القاهرة إلى باريس …محطة بير حكيم!

نشر بتاريخ 27/8/2018

من القاهرة إلى باريس …محطة بير حكيم!

قراءة أسماء محطات المترو في أي بلد مدعاة للتدبر والتفكر ووسيلة لتمضية الوقت في الانتظار بين عرق المسافرين وصخب الداخلين والخارجين. أتذكر أول خط مترو في القاهرة والذي كان يمتد من حلوان إلى السيدة زينب قبل أن يمد إلى المرج لاحقا. ومثل أي طريق في الدنيا يمكن أن يكون نقمة ونعمة كان تكملة خط المترو قبل 30 سنة من السيدة زينب إلى “المرج” نقمة كبرى (بجانب كونه نعمة في الحركة والانتقال) إذ كان مد المترو إلى منطقة المروج والأشجار والزراعات والحدائق فرصة للمهاجرين والسكان الجدد للاستيطان قريبا من المحطة الجديدة فتم تدمير النخيل والأشجار في شمال القاهرة وزحفت الأحياء المتريفة على المدينة وصارت لا تختلف اليوم عن بولاق أو دار السلام أو أرض اللواء.

كثير من محطات المترو في خط حلوان – المرج يحمل أسماء ذات دلالة، فمحطة مترو المعادي تذكرنا بالحي الذي كان يسكنه الأجانب في تلك “الضاحية” البعيدة عن صخب القاهرة، واسمها مشتق من كلمة “المعدية” التي كانت تنقل الناس بين ضفتي النهر من غربه إلى شرقه قبل إنشاء الجسور.
أما حلوان فقد ترسخ اسمها في المفهوم الشعبي بالمكان الطيب جميل الإقامة ومكانا للاستشفاء وعرف سكانها باسم “الحلاونة” (كانت لدينا في الجامعة قبل 30 سنة من سكان تلك المحطة شلة من أروع الأصدقاء قوامها 10 فتيات وفتيان يروحون ويجيئون معا وكنا نسميهم أيضا “الحلاونة”).
أقيمت عدة محطات مترو في حلوان بعضها ما زال يحمل الأهمية الاستشفائية للعيون والينابيع مثل محطة “عين حلوان” وقبلها المحطة التي ترمز لمعصرة الزيوت التي ما تزال أطلالها اليوم في 2018 باقية على ضفة النيل الغربية ومن ثم تحمل محطة المترو اسم “المعصرة”.

والأكثر أهمية محطة “طـرة” وهو اسم من الفترة اليونانية الرومانية يعني “محجر الصخر من الجبل الشرقي”. وغير ذلك كثير.

بعض أسماء محطات المترو كانت مثارا للدعابة ونحن صغار في المدرسة الإعدادية بسبب الأخطاء المطبعية التي يكتبها موظفو السكة الحديد، فمثلا محطة “مار” جرجس والتي تعني “القديس جرجس” كانت حتى عهد قريب تكتب خطأ “ماري” جرجس ولأن هذا كان اسم معلمتنا الجميلة في مادة العلوم في المدرسة فقد تراهنا مرارا أنها تسكن قريبا من تلك المحطة.

أكتب هذه المقدمة الطويلة بعد أن انتشر منشور تشاركه أكثر من 4500 مشاهد أمس على الفيسبوك لكتب اسمه “كيرولوس ملك” يروي فيه واقعة حدثت معه في محطة محمد نجيب، وهذا نص منشور كيرولوس:
**
راكب المترو من يومين وعند محطة “محمد نجيب”، الولد اللي جنبي سأل زميله:

– مين محمد نجيب ده؟

فـ رد عليه بمنتهى الثقة:

– ده ابن نجيب ساويرس.

– يا راجل؟، وازاي قدر يسمّي محطة مترو على اسم ابنه؟

**

الآن لماذا أعطيت منشوري اسم “بير حكيم”؟

الحقيقة أن هذا اسم واحدة من محطات مترو باريس وحين قرأت الاسم في أول زيارة لي للعاصمة قبل نحو 10 سنوات ظللت أضرب أخماسا في أسداس وكدت أفسر الأمر على طريقة صاحبنا الذي أرجع الرئيس محمد نجيب إلى نجيب سويرس، ومضيت أفكر في ذلك البئر الذي حفروه في وسط باريس وأعطوا اسمه شخص لابد أنه مهم اسمه حكيم !!!

وطبعا ما إن وصلت للفندق وفتحت المصادر عرفت أنه لا علاقة للبئر ولا لحكيم بقلب باريس، إن هو إلا الجهل الذي نعانيه في التعليم وفي الثقافة العربية المجزأة الذي حال بيني وبين معرفة واحدة من المعارك التي دارت في الأراضي الليبية الشقيقة في موقع بئر تاريخي وقلعة عثمانية (على بعد 160كم غرب السلوم) وذلك خلال الحرب العالمية الثانية. تقول المصادر الفرنسية إنها خاضت معركة مشرفة أمام القوات الألمانية والإيطالية بقيادة ثعلب الصحراء روميل وأرادت بتسمية المحطة بهذا الاسم أن تخلد تلك الذكرى، لأن الصمود الفرنسي (من 26 مايو إلى 21 يونيو 1942) أعطى الفرصة للقوات البريطانية في مصر كي تتجمع وتوقف زحف الجيش الألماني في العلمين الذي لم يكن بينه وبين الإسكندرية أكثر من 100 كم.

الخريطة الأولى موقع بير حكيم على الخريطة، الثانية صورة من الإنترنت لمترو بير حكيم، والثالثة موقع المحطة في الخط السادس من مترو باريس.