احترم لقمة العيش!

نشر بتاريخ 31/8/2018

احترم لقمة العيش!

كانت هذه واحدة من العبارات التي سمعتها في ورشة النجارة بجوار بيتنا في سن الطفولة، يقولها المعلم لاثنين من مساعديه وهو يعلمهم المهنة. تقوم هذه النصيحة على أن لكل مهنة (التي نأكل مها العيش) أصول وقواعد لابد أن تحترم. لا أعرف لماذا استعدت هذه العبارة بعد كل تلك السنين. ربما لأن أحداث أمس كانت سببا في ذلك:

ففي وسط النهار دخلت مقهى لتناول مشروب ساخن وكنت سيء الحظ لأن الشاب الذي ينزل الطلبات للزبائن هو ذاك الشاب “القرفان” من نفسه ومن الدنيا، هو نفسه الذي يفتعل حديثا ليخبرك أنه حصل على ليسانس آداب مثلك ولكن الظروف اضطرته للعمل هنا. ورغم أني أتحمله في كل مرة إلا أن أمس كانت جرعة تعامله السخيف فوق الاحتمال. ورغم تعاطفي مع كل من هم في مثل هذه الظروف إلا أننا يجب أن نحترم “لقمة العيش” فنعطيها حقها ونؤدي واجبنا ولا ننزل سخطنا ونعاقب أناسا ليسوا سببا في مشاكلنا.
– في المساء ألقيت محاضرة في دار الأوبرا مع لفيف من الأساتذة والنقاد. وقبل نهاية المحاضرة بربع ساعة، وبعد أن قلنا كل شيء وتحدثنا في كل شيء، جاءت كاميرات قناة فضائية من قنوات النيل أخذت لقطات سريعة مشتتة دون أن يفهم المصورون ولا المخرج عن أي شيء كانت المحاضرة ولا جوهر نقاشها، ووقفت أتجاذب أطراف الحديث مع أصدقاء لا أراهم سوى مرة في الشهر وتكبدوا مشقة الحضور من مناطق بعيدة لتشريفي بالحضور وإذ بالسيد كبير طاقم التصوير يقتحم الحوار دون إذن ويأمرني (حرفيا) بالقدوم أمام الكاميرا لأعطي حديثا عن الموضوع على أن يتركني أعود للزملاء لاحقا، وقد رفضت بالطبع طلبه، وبدلا من أن ينسحب بذوق وقف مشدوها يتفوه ببعض كلمات غير مفهومة (دعني اعتبرها غير مفهومة). نظرت إليه ولم أنصحه نصيحة النجار بأن لقمة العيش تستوجب احتراما وأن الأولى به أن يأتي من أول المحاضرة ويطلب طلبه بذوق وأن الفن والإعلام وتوعية الناس وتثقيفهم يطلب حسا وذوقا.

– بعد انتهاء اليوم أوقفت سيارة تاكسي للعودة للبيت، وكلي أمل في أن أستريح من عناء اليوم بأن أغمض عيني في رحلة العودة، كان السائق شابا يستمع إلى أغاني صاخبة خرقاء فقلت له “بعد إذنك لو سمحت ربنا يخليك الصوت عالي جدا”. لم يرد بحرف بل لف بأصبعيه مفتاح الصوت لثانيتين وكأنه يخفض درجته وقال لي “كدا كويس؟”. والحقيقة أنه لم يتغير أي شيء في مستوى علو الصوت، إذ كان صاحبنا يخدعني بأنه يدير المفتاح بينما هو يلمسه ولم يفعل فيه شيئا، لكني شككت في نفسي المجهدة وقلت ربما خفض الصوت لكن إجهادي لم يشعرني بذلك. قررت أن أتحمل الموبقات من أغانيه عسى أن أكتشف فيها شيئا جديدا أزيد به ثقافتي الحقيقة بعد محاضرة الأوبرا. مضى سائقي المنتصر بأغانيه الصاخبة حتى إذا خرجنا على الطريق السريع إذ به يمارس هوايته في سباق السيارات. وقد تيقنت أن هذا الشاب سائق التاكسي لا يحترم لقمة عيشه لأنه في الواقع نزل الشارع “يسمع أغاني ويسابق العربيات” لا لكي يسترزق.

بعد أن أوقفته في منتصف الطريق رافضا إكمال الرحلة معه وبحثت عن تاكسي آخر، سألت نفسي :
وأنت ياصديقي “هل تحترم لقمة عيشك؟!