لمن هذه الأيدي ؟!

نشر بتاريخ 29/8/2018

لمن هذه الأيدي ؟!

كان آخر ما سمعه في شجاره مع زوجته هذا الصباح عبارة “دي عيشة بقت سجن!”. لا يذكر حقا من قالها للآخر، كل ما يذكره ما أعقب تلك العبارة من ارتطام كبير لباب تلك الشقة الفسيحة المؤلفة من أربع حجرات وهو يغادرها ذهابا للعمل، لا يذكر أكان هو قد جذب الباب خلفه بعنف اعتراضا صاخبا على قولها أم أنها هي التي دفعت الباب طاردة إياه ومطلقة ثورة ساكنة ضد عبارته التي أصدرت حكما بالإعدام على حياتهما بعد كل تلك السنين.

لا يذكر كيف نزل السلم، كيف أدار سيارته وجلس بها دقيقتين انتظارا لتدفق زيت المحرك في شرايينها. وبينما يشد كمي قميصه الأبيض من تحت سترته الزرقاء شاهد بواب العمارة غارقا في نومه على سجادة مزركشة وقد طرده القيظ خارج الغرفة التي بنيت تحت سلم العمارة. انتشل نفسه من تأمل غرفة البواب التي لا تزيد عن مترين بينما أبقت زوجته بابها نصف مشرع طلبا للهواء في هذا الصباح، أشاح بوجهه الناحية الأخرى صارفا نظره عن ذلك المحبس الذي ترقد فيه زوجة البواب ونصف ساقها عاريا محتضنة طفلها الذي حل للدنيا قبل ستة أشهر.

غادر العمارة على مهل وانعطف بسيارته في طريق داخلي حتى التحمت بنهر الشارع الكبير. حينما حاول أن يتذكر من كان منهما بادئا بعبارة “دي عيشة بقت سجن! كاد يصطدم في شروده بسيارة كلعب الأطفال سكت عنها القانون في تلك البلاد وأعطاها ترخيصا ليحشر فيها السائق ثمانية ركاب حشرا كأمهر عامل في مصنع تعليب السلمون أو معمل تخليل الخيار. حين أفلت من شروده واصطدامه سبه السائق قائلا “ما هي عشان أمك اللي مشترياها لك مش فارقة معاك”.

داخله بعض من الألم، لا لأنه اشترى السيارة من كدح نور عينيه وآلام ظهره بل لأن شروده جلب السباب لأمه التي ترقد في قبرها بعيدا عن هذا العالم البائس. استبعد أن تكون أمه – انتظارا ليوم النشور – ترقد في محبس كتلك العربة ذات الركاب الثمانية أو غرفة سجن كالتي تستلقي فيها زوجة البواب. إن لم يكن قبر أمه روضة من رياض الجنة فأي أم في الدنيا ستحظى بفسيح الجنان؟!.

ما زال الصباح باكرا، الساعة لم تتجاوز السادسة، ليس هناك ما يدعوه لكي يتململ حين توقف في إشارة مرور الميدان الرئيسي. أدار مؤشر راديو السيارة إلى إذاعة البرنامج الموسيقي مغادرا إذاعة القرآن الكريم التي تباعدت فيها فقرات البث القرآني وصارت إذاعة “الكلام الكبير” .

مضت نصف دقيقة في إشارة المرور قبل أن يحل شبح أزرق ويتوقف عن يسار سيارته. كانت تلك عربة الترحيلات آتية من طريق صحراوي طويل كما يبدو من عجلاتها المتربة.

رفع رأسه لأعلى ناظرا إلى الشباك الصغير في تلك السيارة السجن وقد تزاحمت الأيدي على ثلاثة أعمدة حديدية وشبكة سلكية لا يزيد اتساعها عن بضع سنتيمترات. كان هذا الشباك هو كل العين على الحياة. سأل نفسه: ما الذي حبس هؤلاء؟!

على تلك الشرفة التي تطل من سجنهم على سجنه استطاع تمييز أغصان متشابكة من أيادي تتنافس ليطل صاحبها على بشر غير السجانين، تتنازع الشرفة وحديدها الأسود الصلب أياد نحيلة وسمينة، سمراء وبيضاء، ذات شعر كثيف وأخرى جرداء. سأل نفسه: لمن هذه الأيدي؟ ومن أي محبس أتت وإلى أي محبس تذهب؟