رسالة من أديب نوبل إلى البجاوي ذي الشعر الأشعث

رسالة من أديب نوبل إلى البجاوي ذي الشعر الأشعث

بقلم عاطف معتمد (أبريل 2020)

تعد منطقة حلايب في أقصى جنوب شرق مصر بمثابة الطرف الشمالي للوطن الكبير لشعب “البچا”. موطن هذا الشعب في مصر أقرب إلى “ذيل” الأسد حيث يعيش هذا الأسد ويمرح بين وادي النيل غربا والبحر الأحمر شرقا. وفقا للنظريات الحديثة في علم الإنسان وأصله وظهوره الأول على الأرض فإن “البچا” هم أحفاد هذا “الإنسان الأول” الذي ظهر في شرق إفريقيا ومر بالسودان ومصر وسيناء وخرج من إفريقيا ليعمر بقية قارات العالم تاركا لنا أحفاده هنا في هذا الوطن الممتد من الحبشة إلى صحراء مصر الشرقية مرورا بشرق السودان.
طارت سمعة البچا في الأوساط الأدبية العالمية في مطلع القرن 20 بعد حصول الأديب الإنجليزي روديارد “كبلنج” على جائزة نوبل في 1907. كان إبداع “كبلنج” الذي استحق به نوبل يكمن في القصة القصيرة والشعر. واحدة من أشهر قصائد أديب نوبل واحدة تسمى الـ” فاظي واظي Fuzzy-Wuzzy”.

في هذه القصيدة يمجد الشاعر المهارات القتالية لشعب البجا بعد المعارك الباسلة التي خاضوها لمقاومة الاحتلال الإنجليزي في السودان متضامنين مع الثورة المهدية. وإذا كانت الثورة المهدية (1881-1889) قد تمركزت في نهر النيل في عمق السودان إلا أنها لم تكن لتحقق نجاحا مدويا وانتصارت كبرى في البداية إلا بدعم ومدد من قبائل ” البچا ” المعروفة بالبأس والشدة والقتال والجلد.
تلقى الجيش الإنجليزي هزائم عديدة على يد قبائل البچا في السودان الذي كان يعرف آنذاك باسم “السودان المصري/الإنجليزي”. كانت هذه التسمية في نهاية ق 19 و مطلع ق 20 تعكس دهاء الاستعمار البريطاني لوضع قناع مصري على احتلال شعب عربي أفريقي (وهو ما سيترك آثارا سلبية فيما بعد في علاقة الشعبين المصري والسوداني).
نعود إلى كبلنج أديب نوبل في قصيدته. القصيدة على لسان جندي إنجليزي مفتون بمهارة وبسالة مقاتلي البچا الشجعان (خاصة في معركة طماي قرب “سواكن” على البحر الأحمر في شرق السودان عام 1884) حين تمكن البچا من تحطيم الهجوم البريطاني قبل أن ينهزموا في النهاية (هناك فارق كما بين السماء والأرض بين الهزيمة والانكسار!).
صحيح أن النصر كان في النهاية للقوات الغازية الأحدث تسليحا لكن “كبلنج” أديب نوبل يخبرنا على لسان الجندي في قصيدته مندهشا من صلابة مقاتلي “الفاظي واظي” الذين لم ير مثيلا لهم في كل البلاد التي غزتها بريطانيا فيما وراء البحار.
الفاظي واظي Fuzzy-Wuzzy ليس اسما من لغة أهلنا البچا ولم يطلقوه على أنفسهم وليس اسما عرقيا في أي من القواميس اللغوية العالمية. ولو فتحت قاموسا إنجليزيا اليوم ستجد أن الكلمة أصبحت تعني “كل ما هو نافر على غير نظام” والأرجح أن هذا الوصف أطلقه الإنجليز على طريقة تصفيف شعر رجال البچا التي يبدو فيها الشعر المجعد وقد انتصب لأعلى في شكل وحشي بري (تسببت فيه بالطبع حياة الشظف وقله موارد مياه الصحاري).
حين نمضي في القصيدة سننسى أن ” الفاظي واظي Fuzzy-Wuzzy” اسما للشكل البري البدائي لشظف العيش والبداءة الحضارية بل سيصبح الاسم دلالة على الإقدام والبسالة والقتال الفدائي في سبيل الحرية.

يصف كبلنج البجا بأنهم محاربين على الخيول في ساحات المعارك، أما في بيوتهم فهم عاشقين للموسيقى خاصة حين يعزفون على القيثارة التقليدية (Banjo). يتعجب الجندي البريطاني من هذا “الفاظي واظي Fuzzy-Wuzzy ” ذي المظهر المتقشف الأقرب للهمجية وأسلحته القديمة من سيوف ورماح ودروع لا تقارن بنيران المدافع الحديثة، ومع ذلك فإن “الفاظي واظي” مقاتلون من طراز رفيع.
يمضي أديب نوبل يقارن الصعاب والمواقف العسكرية الحرجة التي تعرض لها الجنود البريطانيون على يد مقاتلين أشداء بواسل في كل ربوع الهند والقارة الإفريقية، لكنه بعد أن يعدد ذلك يقول “ولا شيء مما رأينا وعانينا يقارن بما فعله الفاظي واظي بنا من قتال وبسالة وعناد ورفض الهزيمة، إذ كانوا يخرجون من بين غبار المعركة ودخان البارود فنجدهم فوق رؤسنا كرمال الصحراء الملتهبة”.
يرفع الجندي البريطاني – يمضي كبلنج في قصيدته – التحية لمقاتل “الفاظي واظي” وزوجته وأطفاله . صحيح أن مقاتل “الفاظي واظي” هُزم في النهاية لكن الجندي البريطاني يتمنى لو يمنحه شهادة ووسام، يتمنى أن يطلق صيحات المجد تكريما له حيثما نزل الفاظي واظي في أي أرض تخليدا لشجاعته وبسالته (رغم هزيمته).
يدرك الجندي البريطاني – في قصيدة كبلنج – أن “الفاظي واظي” لن يكتب تاريخه بنفسه، بل وربما ضاع تاريخه في الصحراء، ولن يحصل على ميداليات وأوسمة على صدره، ولكل هذا فإن هذه القصيدة تسجل ذلك وتنادي ” “عاش الفاظي واظي..المجد للفاظي واظي”.

وفيما يلي ما دونه المؤرخ السوداني محمد صالح ضرار بعنوان من الشاعر البريطاني كبلنج إلى الرجل البجاوي

من الشاعر البريطاني كبلنج إلى الرجل البجاوي
إلى البجاوي ذي الشعر الأشعث
لقد التحمنا في معارك عبر كثير من البحار وكان بعضهم يتسم بالشجاعة وبعضهم لم يكن كذلك ، وكان هناك الباثيون، والزولو، والبورميون، بيد أن البجاي كان أروع الجميع؛ إذ أننا لم نستطع أن نحصل منه حتى على شروى نقير، فقد كان يقعى بين الأشجار، ثم يهب واثبا علىى فرساننا ، فكم قتل منهم في سواكن عندما كان يلعب بقواتنا كما كان يلغب القط بالعصفور. لهذا فإنني أتقدم إليك بهذا الإهداء أيها البجاوي في وطنك السودان . إنك رجل داهمه الظلام ولكنك محارب من الطراز الأول.
إننا هنا نقدم لك شهادتك، وإذا أردتها مشهورة فإننا سوف نجي إليك، وستكون لن معك جولة ثانية في أي وقت تشاء.
ولقد كانت لنا دورات في تلال خيبر وأخذنا فرصتنا هناك، أما البوبر فقد أداروا رءوسنا رغم بعدنا عنهم، وسلط البورميون فينا برودة إيراوادي، أما شياطين الزولو فقد نافسونا في الأسلوب ولكن كل ما أصابنا من هؤلاء لم يكن يساوي قطرة مما جرعنا إياه ذلك البجاوي.
إننا حين التقينا باليجاوي رجلا برجل فإنه قد صرعنا جميعا، وقلبنا رأسا على عقب، وجرعنا الويل، وبعد كل ذلك تعلق صحافتنا بأننا صمدنا ولم نتزحزح عن أما كننا.
لذلك فإني أقدم هذا الإهداء إيها البجاوي إننى أقدم لك هذا الإهداء لك ولزوجتك وطفلك، كانت الأوامر التي صدرت إلينا تقضي بأن نحطمك، وبالفعل فقد جئنا لنقوم بذلك.
لقد أجهزنا عليك ببنادق المارتيني، ولم يكن ذلك من الإنصاف في شيء، ولكن بالرغم من كل الظروف القاسية التي واجهتك فإنك يا أيها البجاوي قد حكمت المربع.
لم يحدث أن حصل هذا البجاوي على أي شهادات، وليست لديه ميداليات أو أوسمة، لذلك فعلينا أن نشهد له بمهارته التي أظهرها في استعمال صارمه ذي الحدين، إنه عندنا يثيب من بين الأشجار، وقد حمل ترسه المستدير المدبب الوسط ورمحه العريض السنان.
فإن باستطاعة هذا البجاوي أن يذيق بأسلحته تلك في خلال يوم واحد فقط ما يجعل الجندي البريطاني السليم يجتر تلك الذكرى المريرة لمدة عام كامل.
لذلك فإليك هذا الإهداء أيها البجاوي، وإلى أصدقائك الذن فقدوا حياتهم،ولم نكن قد فقدنا بعض زملائنها الذبن كانوا يعيشون معنا في ما كنا لكنا شاركناك في تنديدك بأعمالنا.
ولكن كما تعلم فإن الأخذ والعطاء هو سنة الحياة وإننا سنقول بأن الصفقة كانت عادلة’ لأنك إن كنت قد خسرت أعدادا أكبر معا فإنك دون شك قد استطعت أن تهشم المربع.
إنه يهجم على الدخان عندما تتوقف عن التقدم، وقبل أن نتبين الموقف نراه وقد أهوى بسيفه على رءوسنا.
إنه زهرة الديزي، إنه جوهرة، إنه حمل وديع، إنه قطعة من المطاط المهووس بالإنطلاق، إنه الشئ الوحيد في هذا العالم الذي لا يعطي مثقال ذرة من الأهمية لكتيبية المشاة البريطانيين.
لذلك، فإليك إيها البجاوي وأنت في وطنك السوادان هذا الإهداء.
لإنك رجل فقير، ولكنك محارب من الطراز الأول.
إليك هذا الإهداء أيها البجاوي ذو الشعر الكث، نعم إليك أنت أيها المارد الأسود الجبار هذا الإهداء لأنك أنت حكمت المربع البريطاني.
من : رديارد كبلنج
شاعر الإمبراطورية البريطانية
***
أما أصل القصيدة باللغة الإنجليزية التي كتبت في نهاية القرن التاسع عشر فتقول


We’ve fought with many men acrost the seas,
An’ some of ’em was brave an’ some was not:
The Paythan an’ the Zulu an’ Burmese;
But the Fuzzy was the finest o’ the lot.
We never got a ha’porth’s change of ‘im:
‘E squatted in the scrub an’ ‘ocked our ‘orses,
‘E cut our sentries up at Suakim,
An’ ‘e played the cat an’ banjo with our forces.

So ‘ere’s to you, Fuzzy-Wuzzy, at your ‘ome in the Sowdan;
You ‘re a poor benighted ‘eathen, but a first-class fightin’ man;
We gives you your certifikit, an’ if you want it signed,
We’ll come an’ ‘ave a romp with you whenever you’re inclined.

We took our chanst among the Khyber hills,
The Boers knocked us silly at a mile,
The Burman guv us Irriwaddy chills,
An’ a Zulu impi dished us up in style;
But all we ever got from such as they
Was pop to what the Fuzzy made us swaller;
We ‘eld our bloomin’ own, the papers say,
But man for man the Fuzzy knocked us ‘oller.

Then ‘ere’s to you, Fuzzy-Wuzzy, an’ the missis an’ the kid,
Our orders was to break you, an’ of course we went an’ did.
We sloshed you with Martinis, an’ it was n’t ‘ardly fair;
But for all the odds agin you, Fuzzy Wuz, you bruk the square.

‘E ‘as n’t got no papers of ‘is own,
‘E ‘as n’t got no medals nor rewards,
So we must certify the skill ‘e ‘s shown
In usin’ of ‘is long two-‘anded swords;
When ‘e ‘s ‘oppin’ in an’ out among the bush
With ‘is coffin-headed shield an’ shovel-spear,
A ‘appy day with Fuzzy on the rush
Will last a ‘ealthy Tommy for a year.

So ‘ere ‘s to you, Fuzzy-Wuzzy, an’ your friends which is no
more,
If we ‘ad n’t lost some messmates we would ‘elp you to deplore;
But give an’ take ‘s the gospel, an’ we’ll call the bargain fair,
For if you ‘ave lost more than us, you crumpled up the square!

‘E rushes at the smoke, when we let drive,
An’, before we know, ‘e ‘s ‘ackin’ at our ‘ead;
‘E ‘s all ‘ot sand an ginger when alive,
An’ ‘e ‘s generally shammin’ when ‘e ‘s dead.
‘E ‘s a daisy, ‘e ‘s a duck, ‘e ‘s a lamb!
‘E ‘s a Injun-rubber idiot on the spree,
‘E ‘s the on’y thing that does n’t care a clam
For the Regiment o’ British Infantree.

So ‘ere’s to you, Fuzzy-Wuzzy, at your ‘ome in the Sowdan;
You ‘re a pore benighted ‘eathen but a first-class fightin’ man;
An’ ‘ere’s to you, Fuzzy-Wuzzy, with your ‘ayrick ‘ead of ‘air–
You big black boundin’ beggar–for you bruk a British square.