جزاء الجان!

نشر بتاريخ 18/8/2018

جزاء الجان!

سافر ألكسندر فيدروف صبيا إلى اليمن في نهاية ستينيات القرن العشرين برفقة أبيه أستاذ الرياضيات تلبية لانتداب السلطات السوفيتية لدعم العلاقات مع تلك البلاد المهمة في مدخل البحر الأحمر، وهي نفس الفترة التي سافر فيها زملاؤه إلى السد العالي في أسوان.

التقيت ألكسندر في بيت “صابر” ذلك المبتعث اليمني الكريم الذي كان يدرس دكتوراه الإعلام في شتاء روسي قارس عام 1998. كنت أزور صابر في سكنه الجامعي في سان بطرسبرغ دعما للوحدة العربية في الظاهر، وفي الباطن طمعا في الوجبة الشهية التي يطهى فيها السمك السلمون مع الأرز الأبيض، كنا نأكل تلك الوجبة الساخنة وننظر بانتصار عبر النافذة إلى الثلج المتراكم في الشوارع الغارقة في الصقيع والضباب.

ومع صليل المعالق في الصواني عرفت أن ألكسندر الذي فتن باليمن في صباه اختار بعد عودته لروسيا دراسة الأدب العربي وصار باحثا في الاستشراق.

صرت صديقا لألكسندر، وترددت على بيته مرات عديدة، وكانت زوجته ناتاشا ترحب بي دوما، سيما بعدما صرت أحمل معي في كل مرة الشيكولاتة البيضاء التي تحبها (من نوع ترويكا).
كان حديثي الدائم مع ألكسندر عن موضوع رسالته التي تناولت “الشعر اليمني في جلسات القات”. رسم لي ألكسندر صورا وخيالات فريدة عن اليمن وأهلها، وحكي لي لأول مرة ما لم أكن أعرفه عن القات ودوره الاجتماعي في تلك البلاد.

بعد ثلاث سنوات من لقائي بألكسندر وعودتي للقاهرة تعاقدت للتدريس في السعودية، وبدلا من أن أسافر مثل زملائي إلى الرياض أو جدة أو المدينة كنت محظوظا على ما يبدو، لأن عملي جاء في ذلك المكان الذي يفر منه المتعاقدون: جازان.

ما إن تطأ قدماك جازان حتى تعرف الجغرافيا على حقيقتها: هنا يجتمع عليك ثلاثة شياطين في آن: حرارة ساخنة تلهب الأجساد، موقع ساحلي على البحر الأحمر يرفع الرطوبة لنحو 80 % فلا تستطيع التنفس، وأما الشيطان الثالث فهو “الغُبرة” وهي عواصف رملية تهب أحيانا فتحمل رمال الإقليم وتنثرها في كل فج وشق وتسد بها الأنوف والصدور والشعب الهوائية.

في اليوم التالي لوصولي سألت أحدهم: ماذا يعني اسم جازان؟ دلني الرجل على بعض الكتب الت

ي يمكن أن أجد فيها المعنى الأكاديمي الذي ربما يرجعها إلى معنى الاجتياز والعبور، لكنه انحني قريبا مني كي لا يسمعنا أحد قائلا “الناس هنا لديهم تفسير آخر وهو أن سيدنا سليمان عليه السلام حين عاقب الجن اختار هذا الموقع الجغرافي ليحبسهم تأديبا لهم ومن ثم سُمى المكان “جزاء الجان” ثم حُرفت إلى “جازان”.على مدار عامين تنقلت في جازان بين البحر والجبل، صعدت جبال فيفا الخ

ضراء التي اشتق اسمها من الفيافي العالية فترى من قممها الأرض والبحر كما لو كنت في طائرة أو مركبة فضائية، أبحرت بمركب عصري إلى أرخبيل جزر فرسان، وهناك دلني “مفتاح” من أهل الجزيرة على أثر قديم لكنيسة قال لي إنها من عهد الرحلات الأوروبية الاستعمارية.

 

طردني القيظ مجددا من السهل إلى الجبل طمعا في هواء منعش وخضرة باسقة فوصلت إلى غابات تقفز فيها القرود في أنس وتناغم بين السكان. كانت المدرجات الزراعية هنا تشبه تلك التي نراها في الصور الإعلامية في الفلبين وجنوب آسيا (انتهزت الفرصة وتنقلت بين مدرج وآخر). أخذني طالبي النجيب “إدريس” بسيارته ذات الدفع الرباعي إلى بيته المنحوت فوق قمة الجبل، كانت السيارة تصعد بزاوية رأسية فأرى عجلتيها الأماميتين تلامسان السماء فأغمض عيني انتظارا

لانقلابها إلى الخ

لف ثم سرعان ما تستوي مجددا مؤملة بلوغ قمة جديدة لا نهاية لها. أخبرني “إدريس” أن قرود تلك الجبال تقرع أبواب البيوت إن احتاجت لبعض غذاء فيرحب بها أهلها.

عامان في جازان عرفت فيهما أن المكان ليس “جزاء الجان” بل هو كنز للجغرافي عند تقاطع الطرق، هِمت في “صبيا” و”أبو عريش” وبلغت “رأس الطرفة” ومخارج الجبال إلى “أبها” و”خميس مشيط”.
وحين كنت أصعد جبال فيفا كان يدهشي أولئك الرجال الذين يطوقون رؤوسهم بأكاليل الورد والفل والياسمين حتى إذا سلمت عليهم وقبلت رأسهم شممت منهم كل عطر طيب، وحين كنت أنزل البر والسهل والوهاد كنت ألقى أولئك الذين يرتدون “الفوطة” الهندية ويجتمعون في جلسات القات ….تلك التي رسمها في خيالي من قبل ألكسندر.