جمعية الشعراء الموتى!

نشر بتاريخ 14/8/2018

جمعية الشعراء الموتى!

قبل نحو ثلاثة عقود درست المرحلة الثانوية في مدرسة حكومية في حي الفسطاط بمصر العتيقة. في هذا الموقع الاستراتيجي الذي يطل على كورنيش النيل كان التسكع قبل اليوم الدراسي أو بعده مفعما بالفوائد: غير بعيد مدرسة ثانوية للبنات، وفي الشوارع الخلفية ضريح سليمان باشا الفرنساوي، وعند محطة المترو كنيسة مار جرجس (ما زلت أحفظ الواجهة الكبرى للكنيسة ويزينها بخط عربي رصين “سل تُعطى ..اقرع يُفتح لك”). وعلى الجانب الشرقي من الكنيسة وفي تجوال لا يزيد عن خمس دقائق نصل إلى البهو الأسطوري (بعيون فتى عمره 15 سنة) لمسجد عمرو بن العاص.

في الطابق الثاني من المدرسة كان فصلي، للفصل بابان أحدهما على الرواق الواصل بين الفصول والثاني يُفضي إلى شرفة متسعة مطلية بلون أصفر وقور قاتم، كانت الشرفة تطل على النيل فنرى منها حي المماليك في جزيرة الروضة عبر صفحة ماء تتلألأ تحت شعاع الشمس، وحين نميل قليلا نحو اليمين نرى مقياس النيل ونخيل باسق ومشاتل زاهية الألوان، كان أصحاب الإبصار القوي منا يمكنهم أن يروا تقاطع الطرق عند شارع المنيل الذي أقيمت عنده في ذلك الزمن سينما “فاتن حمامة”.
كان معلم اللغة العربية حين يدخل الفصل يتخذ الحيز المكاني بين باب القاعة والشرفة المطلة على النيل مسرحا (وعرفت منه قبل أن أقرأ كتابا في فن التدريس أن المعلم ممثل يقف أمام جمهور(.

ما زلت أذكر تحركاته في الفصل وإيماءات لغته الجسدية، ولا أنسى أبدا طريقة عرضه لقصيدة العصر الجاهلي التي كتبتها “جليلة بنت مُرَّة” التي عاشت مأساة حين قام أخوها جَسَّاس بقتل زوجها كليب. كانت جليلة ضحية فاجعة، وكان هذا المعلم المبدع يتلو قصيدتها وهو يقطر حزنا، حتى إذا جاء عند البيت الذي تقول جليلة في مطلعه “جل عندي فعل جساس” يبقى صامتا وينظر بين الشرفة والباب حتى يتغير صوته وتنحبس الكلمات في حلقه ونكاد نرى الدموع تلمع في مقلتيه قبل أن يعود مجددا ليكمل القصيدة بصوت تعليمي وقور وكأن شيئا لم يكن!

ما زلت أذكر منه دروس النحو، والاستعارة والتشبيه، كل أساليب رفع وخفض الصوت في الأداء أثناء تغيير أدوار الأبطال في القصائد والروايات، استشهاداته البلاغية من القصص القرآني بكل جلال وصفاء.
على مدار الأشهر الثلاثة الماضية تدافعت هذه الذكريات في عقلي صباح مساء، ذلك لأن جهة ثقافية مصرية عهدت إلىّ بترجمة كتاب عن التواصل البناء بين المعلم وطلابه، ورغم أني اعتذرت في البداية لعدم تخصصي، ولأن الوقت المتاح يكاد بالكاد يكفي للجغرافيا إلا أن قراءة الكتاب المبدئية شجعتني لقبول تلك المهمة التي اكتشفت أنها بالغة الإفادة.

يستشهد مؤلف هذا الكتاب بعديد من الجذور الثقافية الغربية، من القصيدة والفلسفة إلى أفلام حصلت على الأوسكار. ومن بين أهم أحد هذه الاستشهادات فيلم “جمعية الشعراء الموتى”.
لجأت إلى أ.د إيمان عز الدين (أستاذ النقد والدراما بجامعة عين شمس) كي تمدني بنسخة من الفيلم فتكرمت بإعطائي نسخة عالية الدقة استمتعت بمشاهدتها وفهمت منها السياق الذي يشير إليه مؤلف الكتاب.
يتناول الفيلم حالة مدرسة داخلية للبنين من أبناء علية القوم في شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف القرن العشرين. معلم اللغة الإنجليزية يستخدم أسلوبا غريب الأطوار في التدريس، يطلب من تلاميذه تمزيق الصفحات التي تتناول نظريات الشعر والقافية ويدعوهم إلى تكرار تجربته حين شكل هو وزملاؤه في المدرسة جمعية أسموها “جمعية الشعراء الموتى”. يكرر الطلاب التجربة، فيخرجون لدراسة الشعر في كهف من الكهوف القريبة من المدرسة (تخيل لو أننا في الفسطاط ذهبنا لدراسة القصائد في كهوف جبل المقطم مع معلمنا آنذاك !؟(.

يستمر المعلم في الفيلم يدرب طلابه على أن يغيروا طريقة جلستهم في الفصل، نظرتهم للأشياء، يطلب منهم أن يصعدوا على المقاعد ويروا الزوايا والحياة بطريقة مختلفة، ينتهي الفيلم (في ظل حبكة فنية وتراجيدية) بفصل المعلم من المدرسة (هل كنا نتوقع غير ذلك ؟!.)

حصل الفيلم على جائزة أوسكار لأحسن سيناريو. والسبب جلي وبسيط: الحوار في الفيلم حالة نادرة من البلاغة في الأفكار والقيم الفلسفية والمواقف من الحياة والاستشهاد بأهم أقوال الشعراء والفلاسفة بشكل بليغ ومؤثر.

حين أنهيت الفيلم وعدلت في الترجمة في الكتاب الذي أسهر عليه، استرجعت طريقة معلمنا في المدرسة الثانوية الذي لا أعرف أين هو الآن (رحمه الله حيا أو ميتا ) وشكرا له وللإلهام الذي علمنا إياه والطريقة المبدعة التي كان يؤدي بها عمله.

Image may contain: text that says "DEAD POETS SOCIETY"