مول أوف إريبيا!

نشر بتاريخ 14/9/2018

مول أوف إريبيا!

في مقدمة فيلم “المهاجر” وضع يوسف شاهين تنويه للمشاهدين باللغتين الفرنسية والعربية. يقول التنويه بالعربية “أحداث هذا الفيلم لا تمت بصلة إلى أية قصة أو حادثة في التاريخ”. ولأن يوسف شاهين أراد أن يهرب من رقابة الأزهر على تصوير الأنبياء ولأنه يعرف أنه لا أحد يقارن بين النصين الفرنسي والعربي فقد كتب للمشاهد الفرنسي (في نفس الشاشة) “إن بطل هذا الفيلم يشبه يوسف بن يعقوب كما جاءت قصته في أسفار الأنبياء….”

يذكرني هذا التلاعب “التجاري” في فيلم المصير بمسمى المول التجاري “مول أوف إريبيا” في مدينة السادس من أكتوبر، والذي يجب أن يكون اسمه باللغة العربية “مول شبه الجزيرة العربية” بكل ما يحمله هذا المعنى من دلالات جغرافية وطبيعة الثقافة الحياتية القائمة على التسوق والاستهلاك في المراكز التجارية المكيفة والمتعددة المطاعم والمتاجر ودور السينما.

ليس هناك احصاءات متاحة عن نسبة من يسكنون مدينة السادس من أكتوبر ممن لهم تاريخ في العمل أو الثراء من شبه الجزيرة العربية أو التعود على ثقافتها الحياتية. لكن يبدو أن هذا المول يغازل هؤلاء بالدرجة الأولى.

غير أن القائمين على المول التجاري الأشهر في المدينة فعلوا كما فعل يوسف شاهين وأسموه باللغة العربية “مول العرب” تاركين لك الحرية: أن تفهم ان المقصود هم عرب الجزيرة العربية أم أن المقصود هم المصريين الذين لا ينكرون أنهم عربا.

لم تدم هذه الحيرة أكثر من 10 سنوات، وظهر والحمد لله مؤخرا مول جديد لا يقل إبهارا وأضواء وفخفخة عن مول أوف إريبيا، هذه المرة باسم واضح قاطع لا لبس فيه هو “مول مصر”. وعلى هذا النحو تحقق التكامل والتآلف بين مصر والعرب.

الخريطة المبسطة المرفقة (والموجهة نحو الشمال) تكشف عن دلالة مهمة بين المركزين التجاريين. فالمول الأقدم “مول أوف إريبيا” يقع على طريق المحور بينما يقع “مول أوف إيجيبت” على طريق الواحات (المشهور باسم طريق دريم)

يبدو من الخريطة المرفقة أن المواقع الجغرافية المختارة لم تكن صدفة ولا أن الثاني جاء رد فعل للأول، بل تكشف الخريطة عن أن كل شيء ربما كان مخططا بدقة قبل 10 سنوات على الأقل.
ولهذا لا أملك إلا أن أبدي إعجابي برجال البيزنس في المحروسة الذي يثبتون أن عقولهم – رغم كل ما نحن فيه من تكلس- ما تزال تستعصى على الكسل والتدجين، وأن أفكارهم نيرة يدفعها رأس المال ويحركها الربح الخرافي من زبائن مستعدين للدفع….وبسخاء.