فُـوَّة

نشر بتاريخ 21/9/2018

فُـوَّة

وكأنك ترى شيخا كسرت النوائب عظامه ولم يجد من ذويه من يهتم بنظافته الشخصية بشكل منتظم، ولأنه هرم ولم يبق من مجده القديم شيء هجره أبناؤه غافلين عنه تاركين إياه لمن ألبسه لباسا لا يليق به.
هذه هي فوه التي وليت لها ظهري في الصورة ووجهت العدسة في المقابل إلى جزيرتها الواقعة في النيل (فرع رشيد) المسماة “جزيرة الذهب” والتي تفصل بين إقليم كفر الشيخ شرقا وإقليم البحيرة غربا.
كيف توفق بين مفاخر التاريخ وعشوائية الحاضر، بين ما تراه عيناك في الحاضر من بلدة لا تستطيع أن تصفها قرية هي أم مدينة أم مسخ من الإثنين (شوارع تحتاج إلى نظافة وعناية ..عدد سكاني أكبر مما تستطيع الأرض والسماء أن تحتمل)؟

كيف توفق بين أول ذكر في الوثائق التاريخية للمكان والذي يعود به إلى عام 123 ق. م ثم ذكرها في العصر المسيحي حين عرفت باسمها الأصلي “بوى Poei” قبل أن تقلب الباء فاء كما في “بيوم” التي صارت “فيوم” و “إدبو” التي صارت “إدفو” (وفقا لما يخبرنا به محمد رمزي في قاموسه عن البلاد المصرية الصادر في منتصف القرن العشرين). وينقل رمزي عن بن حوقل قبل أكثر من ألف عام وصفها بـ “مدينة حسنة كثيرة الفواكه والخصب وبها أسواق وتجارات”.
ورغم أننا لا نعرف معنى اسم فوه Poei في المصرية القديمة أو القبطية إلا أن بن حوقل (كما يذكر محمد رمزي) يعرف اسم المدينة بقوله ” والفوة العروق التي تصبغ بها الثياب الحمر”. يبدو أن هذا المعنى سيظل غير بعيد عن اهتمام فوه بتجارة المنسوجات والتي كان آخرها السجاد والكليم في القرنين الأخيرين.
أعود إلى الصورة التي شجعني على التقاطها أحد أبناء المكان (وسائق التوكتوك الذي اندس بي في كل حارة وزقاق في المدينة) وهو يروي لي كيف أن الجزء الأوسط من الصورة يعرف باسم “حمام الملكة”: الملكة “فوة” التي كانت تعيش من قديم الأزمان في مدينة من ذهب (تحمل الجزيرة على الخريطة اسم جزيرة الذهب).

يقول محدثي إن خيال أهل البلد لا يتردد في التعلق بذلك السرداب الخفي الذي يتحدث عنه الأجداد والذي يربط الجزيرة – عبر قاع النيل – ليصل إلى قلب الدلتا عند بلدة الكوم الأحمر. وبين الجزيرة ونهاية السرداب – تستمر الحكاية الشعبية – كنوز من ذهب مدفونة لم يستدل إليها أحد بعد.