الأمان الخطر!

نشر بتاريخ 5/10/2018

الأمان الخطر!

يميل الواحد منا إلى مناطق الأمان التي يرتاح فيها، تجمعات الأصدقاء والنوادي، شِلل الصنايعية على القهاوي، الشباب في فرق كرة القدم وروابط المشجعين، جلسات النميمة لسيدات مترفات بلا عمل…ألخ. حتى عندما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي صنعنا تلك المناطق الآمنة، يبدأ أحدنا يومه بنشر دعاء أو أية قرانية أو حكمة فيتفاعل معه المتشابهون فيظن أن العالم كله على صلة بالرحمن، ينشر أحدنا خبرا عن صدور مقاله أو كتابه او لوحته الفنية فتغمره عاصفة من التهاني فيظن أن الناس تقرأ أو تهتم أو تتعلم أو تتذوق الفن. مرات قليلة فقط يحدث الصدام، كتلك التجربة التي مررت بها قبل عدة أعوام مع أحداث سياسية ساخنة فرقت الأصدقاء والزملاء.

انتهى سوء الفهم بيني وبين بعض الزملاء خلال تلك التجربة بأن أرحت نفسي بعمل إلغاء صداقة لبعض منهم وحظر دخول لنفر آخرين، ووجدتني أوسع دائرة الأمان أكثر بالمتشابهين وزادت عندي فكرة أنني –والمتشابهين – نمثل الأغلبية، وأن الكل يعتقد مثلنا.

قبل أسبوع قابلت في العالم الحقيقي أحد من حظرت دخولهم في العالم الافتراضي قبل عدة سنوات، وقد عاتبني وطلب مني أن نتواصل كما كنا من قبل. ولأن النار بردت نسبيا ولأنه أسقط في يدي حرجا من عتابه فقد أعدت التواصل معه، وهنا بدأت المشكلة.

صرت أرى صفحته والموضوعات التي ينشرها ومن بينها صفحة يتابعها لكاتب مشهور يبدأ منشوره دوما بعنوان “الجرابيع نسوا أنفسهم”.

أمضيت نصف ساعة مع صفحة ذلك الكاتب الذي يتابعه آلاف مؤلفة من القراء ويعلق على منشوراته ويتداولها حشد واسع من المؤيدين والمعجبين.

الجرابيع الذين يقصدهم الكاتب هم شريحة من الشعب المصري من “الرعاع الذين يريدون أن يناطحوا سادتهم في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم، أولئك الذين “نسوا أنفسهم” وظن الواحد منهم أنه صار مثل سيده ويمكنه أن يشاركه الرأي والقرار، الجرابيع هم أولئك الذين صارت لهم صفحات فيسبوك ويقولون رأيهم في السياسة والاقتصاد والفن والعلم وهم مجرد حثالة على المجتمع وعالة عليه”. ورغم أني انزعجت من محتوى الكاتب إلا أن دهشتي كانت من الآلاف من المتابعين والمعلقين الذين كانت حروفهم تقطر عنصرية واستحقارا لبني وطنهم.

ورغم هذا الانزعاج وتلك الدهشة، إلا أنني أدركت خطأ عدم متابعة هؤلاء وصفحاتهم، لأنني أغمض العين عما يحيط بنا ويمهد الطريق لتصدع مجتمعنا بشكل بالغ الخطورة.

ولا يجب أن يبرر الواحد منا ذلك برغبته في مناطق الأمان لأنه في الحقيقة أمان “خطر”.