الأرض والموسيقى!

نشر بتاريخ 30/10/2018

الأرض والموسيقى!

قبل عشرين سنة ركبت قطارا من موسكو إلى مدينة على نهر الفولجا في جنوب البلاد. كان المشهد نسخة متكررة من غابات ذات أشجار رشيقة وبحيرات متقطعة بين السهوب. ولأننا أمضينا أغلب الرحلة في النوم ليلا فإنه مع ساعات الشروق الأولى أدار قائد القطار مقطوعات موسيقية جاءت استجابة لتلك الفترة الانتقالية بين العهدين الشيوعي والرأسمالي، ومن تلك الأغنيات انسابت بصفاء أغنية “شمعة تحترق” للمغنية صاحبة الحياة المليئة بالجدل والإثارة “ألا بوجوتشوفا”.

بدا الأمر وكأن قائد القطار اختار الأغنية لتناسب السفر في هذه المشاهد المتكررة، إذ كانت الموسيقى والأبيات الشعرية وأداء بوغوتشوفا يكمل حالة التكرار في الأشجار والسهوب والقرى المختبئة في الأفق، حتى أن المقاطع الموسيقية والكلمات ظلت تتوالي وتتداعى بنفس تداعي أشجار “البريوزا” الشهيرة: بيضاء اللون، مرقطة الجذوع، رشيقة العود.

تذكرت هذا المشهد أمس وأنا أكتب كلمة عن ظاهرة في تضاريس سطح الأرض يشبهها الباحثون بأداة العزف الموسيقي المسماة “الاُرغن” أو الأورجان.

وقد أخذني هذا إلى إدوارد سعيد الذي نعرف عنه مؤلفاته الشهيرة التي هاجم فيها النظرة الاستعلائية الغربية تجاه المشرق العربي في كتابه ذائع الصيت “الاستشراق” والذي أسهم فيه في علم الجغرافيا بمصطلح “الجغرافيا المتخيلة” وهي ذلك النوع من الجغرافيا التي تخترعها وتتوهمها الشعوب عن بعضها البعض (كما اخترع الغرب جغرافيا متوهمة عن عالم الشرق)

ما يعرفه القليلون عن مفكرنا العظيم إدوارد سعيد أنه كان عازفا للموسيقى ومؤلفا لمقطوعاتها. ولابد أن أعترف أنني لم أعرف سوى مؤخرا أن له الفضل في صك مصطلح جغرافي جديد يعرف باسم “جغرافية التقابل الموسيقي” وملخص هذا المفهوم أن الأرض وما عليها في تناغم، ويؤدي كل عنصر منها صوتا موسيقيا يكمل بقية الأصوات التي نراها في شكل مقطوعة متناسقة ومتكاملة.

لا أعتقد أن الحقل الأكاديمي في مصر يقبل تقدم أحد الباحثين في حقل الجغرافيا برسالة ماجستير أو دكتوراه عن “جغرافية الموسيقى والأغاني” مناقشا فيها تأثير العوامل البيئية على اختيار الكلمات، وعلاقة الأنغام بمشهد الأرض، ما الذي تفرضه بيئة سيناء والسلوم مقارنة بالوادي والدلتا؟ وما الفارق بين الصعيد والوجه البحري. ورغم أهمية هذا الموضوع في حفظ التراث (الذي يندثر أمام طوفان أغاني التوكتوك والفتونة السوقية) إلا أنني أتوقع أن يُرمى هذا الطالب ومشرفه بالهرطقة البحثية.
هذا التخصص يتطور وينتشر في عديد من الجامعات، وكان آخر بحث قد عرضته على القراء قبل خمس سنوات حين كنت أشارك في مؤتمر في تنزانيا وجاء باحث من مومباي بورقة عن “تأثير المناخ على الأغاني والموسيقى في الهند”.