الهتيف!

نشر بتاريخ 26/10/2018

الهتيف!

عرف المجتمع المصري خلال نصف القرن الماضي صورا مختلفة للهتيفة: خلف المطربين لإقناع المستمعين بحلاوة وطراوة الصوت، يقاطعون المغني بدعوى التجلي والنشوة وطلب المزيد من الإمتاع؛ مندسين خلف مرشحي الأحزاب السياسية المزيفة؛ كما عرفناهم أيضا يقاطعون السيد الرئيس استباقا لمنحة عيد العمال.

نجح واحد من أفلام الكوميديا أن يحفر في ذاكرة الناس قبل عشرين سنة جملة عبقرية يقول فيها الهتيف لرئيسه في العمل “شخبطة أولاد سعاتك تخطيط لمستقبل مصر”.

ليس هناك من مستغرب في الأمر، فالكائن الهتيف حاضر معنا منذ بدء الخليقة، وكل ما يحدث أنه يغير من أساليبه كل عقدين أو ثلاثة وفقا لظروف كل “مصلحة” حكومية، ووفقا لذوق رئيسها الجديد. لكن في الحقيقة تجاوز تطور الكائن الهتيف مجرد التهريج وأصبح أمرا بالغ الخطورة.
أكتب عن الهتيف لأني أرفض وصفه بأنه كائن مهرج يستدعي الشفقة أو السخرية أو التجاهل والإعراض، أكتب عنه لأني أعتقد أنه صار أحد أخطر الأدوات التي تسوقنا جمعيا نحو اللامستقبل.
فالكائن الهتيف لم يعد يقف عند سن بعينه، تجده في مطلع الشباب يحلم بورقة يانصيب تغير حاله من الظلمات إلى النور كما تجده في سن الشيخوخة يهتف ليحافظ على تهليبات الفترة السابقة ( والحقيقة أن النوع الثاني يشكل أكبر دليل وقائد ومرشد وقدوة للنوع الأول).

والهتيف لم يعد وصفا لشخص وضيع في المجتمع، إذ لم يعد مكانه محجوزا فقط على مقهى بلدي بجوار المعلم يرص له المعسل السلوم على الشيشة، بل صار يحمل درجة الدكتوراه والأستاذية ويرتدي بدلة كاملة برباط عنق إنجليزي ونظارة شمس أمريكية.

والهتيف لا يقف عند قناعة أيديولجية واحدة، تجده يبدأ الهتاف بآيات من الذكر الحكيم إذا لمس في المعلم نزوعا إسلاميا، لكن ألمعيته تنقله سريعا إلى عبارات (مخطوفة من هنا وهناك) من ماركس وغاندي إذا لمح أن المعلم رمى مسبحته تحت درج المكتب اتفاقا مع المعطيات السياسية الجديدة.
الكائن الهتيف لم يعد يتوارى عن الجموع، اكتسب الهتيف جرأة وشجاعة (سيسميها بعض المتعصبين منكم وقاحة). ومكمن شجاعته في ظني أنه يقابلك اليوم وعيناه تقول لك حين يستشعر منك لوما وعتابا: “أيوه أنا هتيف..عايز حاجة ؟!”.

ودعوني أختلف معكم، فللأمانة الهتيف ليس متبلد الإحساس، فهو كائن غيور جدا، متفجر الشعور، سرعان ما يشعر بالخطر من الهتيفة المنافسين، فتجده دوما متجدد في الهتاف والمزايدة.
وللأمانة أيضا لابد من إدراك أن التهتيف لم يعد كما في الماضي “رزق يوم بيومه” بل صار استثمارا مضمون النجاح سريع التحقق. خط سير نجاح الهتيف معروف: عامان من التهتيف، تراقبك الذات العلية، تقربك إليها بالتدريج، تثق فيك ثم تمنحك الجائزة. وجوائز الهتيفة متباينة وفقا لنوع الهتاف وسخونته وحرفيته واعتماده على وسائط التأثير الحديثة.

ورغم كل ما سبق، لا يجب أن نظن أن الهتيفة يغمرون الحياة، أو أن القيامة على الأبواب بسبب أفعالهم التي تدنس الأرض وساكنيها، فأمام كل هتيف واحد آلاف من البشر من غير الهتيفة يحفظون للكلمة حرمتها ويعرفون أن الكلمة تقتل وتحي وتميت.

أعرف أن كلمتي قد لا يكون لها معنى، وربما لا طائل منها، ولن توقف هتيفا عن مسيرته، لكن …من يدري! ؟