تقريب التاريخ المصري إلى الشعب المصري!

نشر بتاريخ 12/11/2018

تقريب التاريخ المصري إلى الشعب المصري!

من الأسئلة التي تحيرني حالة الخصام والاستهانة التي نتعامل بها مع التاريخ الفرعوني. لا أتحدث فقط عن فساد تهريب الآثار ولا الإهانة التي يتعامل بها حراس الآثار (ذوو الأجور الهزيلة) مع المقتنيات الأثرية التي يعود عمرها إلى ما قبل التاريخ؛ بل يلفت انتباهي أيضا ما يروجه بعض أساتذة الجامعات والمثقفين من عدم اعتراضهم على وجود الآثار في المتاحف الأجنبية بعد تهريبها بحجة أنها هنا في حالة من الكرامة والصيانة.

وأزعم أن جانبا مهما من تفسير ذلك – بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة – هو حالة القطيعة المعرفية مع تاريخ بلادنا، فالمرء كما قيل “عدو ما يجهل”.

أكتب هذا المنشور بعد إتمام قراءة رواية “عبث الأقدار” التي كانت أولى أعمال نجيب محفوظ والصادرة عام 1939.

وكقارئ غير متخصص في النقد والأدب تعلمت في هذه الرواية ما يلي:

– اللغة العربية الفصحى الراقية الأقرب إلى كتب التر اث العربي الأصيل التي تجمع بين قوة الأسلوب ورهافة الحس وروعة التصوير، فضلا عن حبكة فنية جميلة.

– استئناس الفراعنة وجعلهم قريبين منا بأحلامهم وأطماعهم وتناقضاتهم وموقفهم الإنساني من الحياة.
– تقريب الشعب المصري في العهد الفرعوني إلى الشعب المصري المعاصر بكفاحه ومعاناته وآماله.
– الأبعاد الجغرافية والتاريخية التي دسها نجيب محفوظ بين الخيال والعلم بطريقة بديعة تقرب القارئ إلى وطنه وتعرفه جوانب من “أون” (عين شمس حاليا) ومنف (القاهرة حاليا) وسيناء (من الجميل أن محفوظ اختار سيناء في عام 1939 مصدرا لتهديد الحكم المركزي في مصر والتي حقق بطل الرواية فيها مجده بانتصاراته المظفرة على أرضها).

– مفاهيم فلسفية متعلقة بالموت والحياة وكيفية تلبس الفرعون روح الإله والعكس.

86 صفحة هي قوام هذا العمل البليغ القادر على اختصار وتقريب تاريخ طويل من حياة المصريين بطريقة سينمائية لو حولت إلى فيلم حديث بتقنيات 2018 لتحقق وعي كبير بين الشباب والطلاب وعموم الشعب المصري، فيلم يمس الشعب وليس الفراعنة على طريقة أفلام هوليود.
كلمة أخيرة عن العنوان، بعض الذين تحفظوا على كلمة “عبث” ربما لم يراجعوا دلالة أخرى للمعنى وهي “التسلسل غير المتوقع لأحداث الحياة ووقائعها” ولا يعني مفهوم “عبث” بالضرورة أن الأقدار تلهو بمصائرنا وتهزأ من طموحاتنا.