شبلنجة ! 

نشر بتاريخ 9/11/2018

شبلنجة !
لابد أن أعترف أنه حين مررت بهذه البلدة قبل عامين وقرأت اسمها على الطريق الواصل بين الزقازيق وبنها أخذني جهلي بالاسم إلى وقع موسيقي يذكرني بأسماء البلدات الألمانية.

مضت فترة قبل أن أتخلص من ذلك التوهم قبل أن يردني القاموس الجغرافي لمحمد رمزي الصادر في 1945 إلى أن ” شِبْلَنْجَـة” مؤلفة من دمج مقطعين معا: “شبرا” و”النجه”.

وحتى أتحرر من غموض الاسم نزلتُ شبلنجة الأسبوع الماضي رغبة في التعرف عليها. عند نقطة التفتيش المرورية المواجهة لخط السكة الحديد كان أول ما قابلني فتيات المدارس الإعدادية يخرجن من مدرستهن بزي رمادي نظيف ووجوه حسان تبتسم للحياة.

تجولت في شوارع ذلك الكيان العمراني الذي كان اسمه من قبل “قرية” فأضحى هجينا عير متناسق لا أستطيع تصنيفه: “ريف متمدين” أم “مدينة متريفة” ؟

شبلنجة التي صارت اليوم ترتبط بالقاهرة في نحو ساعة على الطريق الزراعي السريع الممتد بين بنها والعاصمة صارت أيضا على مرمى حجر من طريق خرافي عملاق جديد يتم تشييده بسرعه اسمه “الطريق الدائري الإقليمي”.

هذا العملاق المخيف الذي يقتل المسافة ويقرب البعيد في الدلتا يبتلع الأرض الزراعية ويحتل الأسمنت محل الحقول الخضراء.

شبلنجة ليست إلا واحدة من آلاف القرى المصرية التي تزداد حجما على حساب الأرض الزراعية مستفيدة من محاور الأسفلت والطرق السريعة وارتفاع أسعار السكن.

حين مررت في شوارع وأزقة شبلنجة بلغني قدر وافر من التناقض المتوقع:

– رائحة احتراق الحطب في كانون لخبز الأرغفة الريفية التي تداعب حنينا إلى الماضي تزاحمها في نفس الوقت مطاعم لمخبوزات “الكريب” التي جاءت مؤخرا من هجرة السوريين والعراقيين.
– عمارات عالية وضعت أطباق التقاط البث الفضائي بينما يمر قطيع من الجاموس والبقر تاركا خلفه روثا طازجا.

أتممت اللف والدوران في شبلنجة واسترحت في النهاية في مقهى يرتاده كبار السن يتابعون فيلما كوميديا قديما عبر شاشة صغيرة بينما يفترش الأرض السوداء (التي كانت حقلا زراعيا في الأمس القريب) منجد يجهز المراتب لعرس جديد. أهل العريس يبنون للزواج الجديد بيتا بالخرسانة المسلحة بعد أن اقتلعوا المحصول من جذوره وباعوا طمي النيل لواحدة من فيلات حي التجمع الخامس المشيد في الصحراء.
آلاف من قرى وبلدات شبلنجة وأخواتها يدقون أجراسا للإنذار تتجاوز أسعار البطاطس والخضروات وتصل بنا إلى سؤال حول بقاء الإنسان المصري ذاته، ليس بالضرورة بقاءً بالمعنى البيولوجي، فالمجاعة – إن حدثت – قد تقضي على ربع السكان على الأكثر (قبل أن تهرع الشعوب الصديقة بإرسال المساعدات إلينا)، لكن الأهم هو حرية ثلاثة أرباع السكان الباقين وقدرة حكوماتهم على السير دون ضغوط من الخارج.

لم يعد الصراع مع الخارج يعطي ذلك الشرف القديم حين كنا نواجه عملاقا كالاتحاد السوفيتي أو جبارا مثل الولايات المتحدة، فالضغوط اليوم تأتي مصحوبة بالخزي والعار من الارتهان لقوى تافهة صغيرة أو متوسطة.
صحيح أن الجغرافيا السياسية والجيوبولتيكا تتغير بالأسلحة والغواصات والدبابات في ساحات المعارك وتتطلب جيوشا مجهزة عالية التدريب، لكن كل ذلك يبدأ بعوامل قوة الدولة في الداخل …والأمن الغذائي أولها.